القرطبي
2
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
على الجن وما رآهم ، انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء ، وأرسلت عليهم الشهب ، فرجعت الشياطين إلى قومهم ، فقالوا : ما لكم ؟ قالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء ، وأرسلت علينا الشهب ! قالوا : ما ذاك إلا من شئ حدث ، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها ، فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء ؟ فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها ، فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة وهو بنخلة ( 1 ) عامدين إلى سوق عكاظ ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر ، فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا : هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء . فرجعوا إلى قومهم فقالوا : يا قومنا " إنا سمعنا قرآنا عجبا ( 2 ) . يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا " فأنزل الله عز وجل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم : " قل أوحى إلي أنه استمع نفر من الجن " . رواه الترمذي عن ابن عباس قال : قول الجن لقومهم " لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا " قال : لما رأوه يصلى وأصحابه يصلون بصلاته فيسجدون بسجوده قال ( 3 ) : تعجبوا من طواعية أصحابه له ، قالوا لقومهم : " لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا " [ الجن : 19 ] . قال : هذا حديث حسن صحيح ، ففي هذا الحديث دليل على أنه عليه السلام لم ير الجن ولكنهم حضروه ، وسمعوا قراءته . وفيه دليل على أن الجن كانوا مع الشياطين حين تجسسوا الخبر بسبب الشياطين لما رموا بالشهب . وكان المرميون بالشهب من الجن أيضا . وقيل لهم شياطين كما قال : " شياطين الإنس والجن " [ الانعام : 112 ] فإن الشيطان كل متمرد وخارج عن طاعة الله . وفي الترمذي عن ابن عباس قال : كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون إلى الوحي فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعا ، فأما الكلمة فتكون حقا ، وأما ما زادوا فيها ( 4 ) ، فيكون باطلا . فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم منعوا مقاعدهم ، فذكروا ذلك لإبليس ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك ، فقال لهم إبليس : ما هذا الامر ( 5 ) إلا من ( 6 ) أمر قد حدث في الأرض !
--> ( 1 ) كذا في ا ، ح ، ط وهو الصواب . ( 2 ) في ح : ( إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى قرآنا عجبا ) . . الخ . ( 3 ) في ح : ( ويسجدون معه . . ) . ( 4 ) كلمة ( فيها ) ساقطة من الأصل المطبوع . ( 5 ) كلمة ( الامر ) ساقطة من الأصل المطبوع . ( 6 ) في ط ( عن ) في موضع ( من ) .